الباحثة: مي شوكت الترتوري – باحثة دكتوراة مناهج وطرق تدريس
الاتجاه الضمني في تنمية التفكير البصري بين الواقع والمأمول
يعد الاتجاه الضمني أحد التوجهات التربوية الحديثة التي تستهدف تنمية مهارات التفكير لدى المتعلمين بصورة غير مباشرة، من خلال دمج استراتيجيات وأنشطة تعليمية متنوعة دون الإعلان عنها صراحة كأهداف تعلم، ويقوم هذا الاتجاه على توظيف مواقف وأنشطة تعليمية محفزة تجعل الطالب يمارس عمليات التفكير بشكل عفوي وطبيعي أثناء تفاعله مع المحتوى، مما يعزز من قدرته على التحليل، والاستنتاج، وحل المشكلات، وتبرز أهمية الاتجاه الضمني في كونه يجعل التفكير جزءًا أصيلاً من عملية التعلم، بعيدًا عن الجمود والتلقين، حيث يسهم في بناء بيئة تعليمية ثرية تشجع على الإبداع، وتدعم التعلم العميق والمستدام.
وقد ظهر الاتجاه الضمني في التفكير بوصفه منحى غير مباشر يستهدف غرس مهارات التفكير دون التصريح بها، من خلال ممارسات وأنشطة تعليمية تتيح للمتعلمين بناء معارفهم بصورة تلقائية، بعيداً عن الطرح المباشر أو الصريح للأهداف (الشلوي، 2017).
ويقصد بالاتجاه الضمني لتعليم التفكير بأنه: عملية تعلم مهارات التفكير بشكل ضمني في سياق تدريس محتوى المواد الدراسية(زيتون، 2003).
وقد أكد جروان(1999) على عدة مبادئ لتنمية التفكير وفق الاتجاه الضمني ومنها:
- يتم تنمية مهارات التفكير من خلال محتوى المواد الدراسية التي يدرسها الطلاب في مناهجهم النظامية.
- يحدث نمو تدريجي في مهارات التفكير نتيجة انخراط الطلاب في التفكير في المحتوى الدراسي
- توظف في الدرس ممارسات وأساليب تدريسية معينة تعمل على حث الطلاب على التفكير وتجعلهم ينخرطون بعمق في التفكير حول محتوى المادة الدراسية محل التعليم ومن هذه الممارسات طرح الأسئلة مفتوحة النهاية وتشكيل مجموعات التعلم التعاوني وغيرها.
- تنمية التفكير عملية مستمرة في كافة المواد الدراسية.
وترى الباحثة أن تضمين مهارات التفكير في محتوى المواد الدراسية ضرورة أساسية لتحويل التعلم من حفظ للمعلومات إلى تنمية لقدرات التحليل والاستنتاج والنقد، وتؤكد أن هذا التضمين يجب أن يكون جزءًا من الأهداف والأنشطة والتقويم، لأنه يعزز التعلم العميق ويُعدّ الطلاب لمتطلبات الحياة المعاصرة.
الاتجاه الضمني في تنمية التفكير البصري:
يشكّل التفكير البصري أحد أبرز أنماط التفكير العليا التي يعتمد عليها المتعلم في عصر المعرفة، حيث يُسهم في تنمية القدرة على تفسير الرموز، وتحليل الصور، واستنتاج العلاقات والمعاني من البيانات البصرية .(Yenawine & Housein, 2010)
ويقوم الاتجاه الضمني في التفكير البصري على مبدأ “التعلم المتخفي”، حيث يتعلم المتعلم التفكير من خلال الممارسة المتكررة للأنشطة البصرية دون أن يُطلَب منه ذلك صراحة فهو اتجاه ينسجم مع نظريات التعلم البنائي التي تؤكد دور الخبرة والتفاعل في تكوين المفاهيم (Perkins, 2003).
ويتجسد هذا الاتجاه في ممارسات عديدة منها:
- توظيف الصور والرسومات والخرائط الذهنية ضمن سياق الدرس.
- طرح أسئلة مفتوحة حول الرسوم البيانية والنماذج.
- استخدام أساليب الاستقصاء والتأمل في الأشكال والرسومات البصرية .(Buzan, 2000)
وفي ضوء ما سبق تؤكد الباحثة على تضمين أنشطة تتطلب من الطالب تحليل صور ورسومات وأشكال وجداول وربطها بالمفاهيم وتشجيعهم على المقارنة بين هذه الأشكال وصولا إلى أوجه التشابه والاختلاف بينها، وكذلك استخدام استراتيجية الخرائط الذهنية والمفاهيمية التي تدعم التفكير البصري.
الواقع الحالي لتنمية التفكير البصري ضمن الاتجاه الضمني
تشير الدراسات العربية إلى أن الاهتمام بتنمية التفكير البصري ما زال محدوداً، وغالباً ما يتم التركيز على الجوانب المعرفية المباشرة أكثر من التركيز على أنماط التفكير البصري، كما أن كثيراً من المعلمين يفتقرون إلى التدريب المتخصص في استراتيجيات التفكير البصري، مما يؤدي إلى الاقتصار على الشرح اللفظي المباشر، بدلاً من استثمار الإمكانات الضمنية في الوسائط التعليمية (أبو جامع، 2020).
إضافة إلى ذلك، فإن المناهج الدراسية في أغلب الدول العربية لم تدمج بوضوح أنشطة التفكير البصري، بل تظل الصور والأشكال مجرد وسائل إيضاح، دون توجيه الطلاب لتحليلها أو استنتاج معانيها (السلامات، 2016).
وفي ضوء ما سبق ترى الباحثة أن الواقع الحالي يعكس فجوة واضحة بين الإمكانات الكامنة في الاتجاه الضمني وبين ممارساته في البيئة التعليمية، فالمعلمون يوظفون الصور والرسومات غالباً كعناصر تجميلية أو وسائل إيضاح، بينما يغيب التوظيف العميق لها كأدوات لتنمية مهارات التفكير البصري مثل التحليل، المقارنة، إدراك العلاقات، واستخلاص المعنى، كما أن معظم أساليب التقويم لا تزال تركّز على قياس المعرفة اللفظية المباشرة، مما يضعف الدافعية لدى المتعلمين لممارسة التفكير البصري، وبالتالي فإن معالجة هذا الخلل تتطلب تغييراً جذرياً في فلسفة التدريس والتقويم، بحيث يصبح التفكير البصري هدفاً مركزياً لا عرضياً، ويُوظَّف الاتجاه الضمني بوعي مقصود يدمج بين الأنشطة والمخرجات التعليمية.
المأمول في ضوء الاتجاه الضمني
لتحقيق الاستفادة المثلى من الاتجاه الضمني في تنمية التفكير البصري، فإن المطلوب:
- إعادة بناء المناهج بحيث تدمج بُعد التفكير البصري ضمن أهدافها ومحتواها.
- تدريب المعلمين على استراتيجيات التفكير البصري مثل الخرائط الذهنية، والمفاهيمية استراتيجية (Yenawine, 2013).
- تعزيز بيئة التعلم عبر إتاحة مصادر غنية بالصور والخرائط والمخططات، مع تشجيع الطلاب على توليد تفسيرات متعددة.
- التقويم الواقعي الذي يقيس قدرات المتعلمين على تفسير وتحليل الصور، لا الاقتصار على أسئلة التذكر المباشر (فياض، 2015).
وترى الباحثة أن المأمول من الاتجاه الضمني في تنمية التفكير البصري لا يقتصر على إدماجه كجزء من الأنشطة الصفية، بل يجب أن يُنظر إليه كمنظومة متكاملة تسهم في إعادة تشكيل طريقة تفكير المتعلم، فالمطلوب هو تحويل الصور والخرائط والأشكال من مجرد أدوات مساعدة إلى مصادر معرفية أساسية تنقل المتعلم من مستوى الملاحظة السطحية إلى مستوى التحليل العميق والتفسير النقدي، كما تؤكد الباحثة أن تحقيق ذلك يستلزم توفير برامج تدريبية متخصصة للمعلمين، وتضمين مؤشرات واضحة لقياس التفكير البصري في أدوات التقويم، بما يضمن أن يصبح الاتجاه الضمني ممارسة ممنهجة وفاعلة وليست اجتهاداً فردياً.
الخاتمة
إن الاتجاه الضمني في تنمية التفكير البصري يمثل توجهاً تربوياً واعداً، إلا أن الواقع الحالي ما زال يشهد فجوة بين الإمكانات النظرية والتطبيق العملي في المدارس. ومن هنا، فإن المأمول هو الانتقال من الاقتصار على التوظيف السطحي للوسائط البصرية إلى استثمارها كأدوات تفكير، وبناء برامج تدريبية ومناهج تعليمية تدمج هذا التوجه بشكل ممنهج.
المراجع
أبو جامع، ليندا. (2020). فاعلية استخدام الخرائط الذهنية (الإلكترونية – غير الإلكترونية) في العلوم لتنمية المهارات الحياتية والتفكير البصري لدى طالبات الصف التاسع الأساسي. (رسالة ماجستير غير منشورة). جامعة الأقصى، غزة.
السلامات، محمد. (2016). فاعلية تدريس مادة نمو المفاهيم العلمية لطلاب قسم التربية الخاصة باستخدام الأبعاد السداسية في بنيتهم المفاهيمية ومعتقداتهم المعرفية حول العلم. المجلة التربوية، 30(120)، 39-164.
الشلوي، محمد. (2017). تنمية التفكير البصري من خلال توظيف الأنشطة الفنية. مجلة العلوم التربوية والنفسية، 18(3)، 55-82.
فياض، ساهر. (2015). أثر استراتيجية الخرائط البصرية في تنمية التفكير البصري لدى طلبة المرحلة الثانوية. مجلة التربية الحديثة، 4(7)، 45-67.
جروان، فتحي. (1999). تعليم التفكير: مفاهيم وتطبيقات. عمان: دار الفكر للطباعة والنشر.
زيتون، حسن. (2003). تعليم التفكير: رؤية تطبيقية في تنمية العقول المفكرة. القاهرة: عالم الكتب للنشر والتوزيع.
Buzan, T. (2000). The Mind Map Book. London: BBC Books.
Perkins, D. (2003). Making Thinking Visible. Educational Leadership, 57(3), 11-15.
Yenawine, P., & Housein, A. (2010). Visual Thinking in Art Education. Art Education Review, 62(2), 40-47.
Yenawine, P. (2013). Visual Thinking Strategies: Using Art to Deepen Learning Across School Disciplines. Harvard Education Press.












اترك رد